انتبه: العناكب تزحف على الشبكة!
- نهى الإبياري
- 1 day ago
- 2 min read
"

لقد زحفت على الموقع عشرة عناكب اليوم.."
يُخطِرني الموقع الالكتروني بعدد الزائرين يوميا، والآن أصبح يخطرني أيضا بعدد البوتات أو العناكب التي "زحفت" crawled في إشارة إلى البرامج التي تجوب الصفحات لتجمع معلومات، ليس لأسباب خفية مريبة وإنما ببساطة إما للإجابة على أسئلة المستخدمين أو لعملية التعلم التي تمر بها تلك البرامج.
في كل عصر تدخل على اللغة ألفاظ جديدة تحمل معها تصورات جديدة للعالم، غير أن عصر التقنية يتسم بسرعة غير مسبوقة في إنتاج المصطلحات والاستعارات. ومن الطريف أن كثيرًا من هذه الكلمات لا تنتمي أصلًا إلى عالم الآلات، بل إلى عالم الأحياء والحركة اليومية. من ذلك الفعل الإنجليزي الذي يُستعمل في التقنية لوصف برامج تتنقّل بين صفحات الإنترنت لجمع البيانات وفهرستها. وقد تُرجم أحيانًا إلى تعابير هادئة مثل: يفحص، أو يستكشف، أو يفهرس. وهذه ترجمات صحيحة من حيث الوظيفة، لكنها تفقد شيئًا من روح الكلمة الأصلية. أما ترجمة يزحف فربما تبدو غريبة لأول وهلة، لكنها تحتفظ بالصورة الحية: حركة بطيئة، مستمرة، تمتد على السطح وتتبع المسارات. ولذلك قد يكون قولنا: روبوتات تزحف على الويب أقرب إلى روح العصر من قولنا: برامج تقوم بالفحص الآلي.
والعربية ليست جديدة على هذه الألعاب اللغوية؛ فهي تمارسها منذ زمن طويل. فـالهاتف كان قديمًا صوتًا غامضًا يأتيك من حيث لا تدري، ثم صار جهازًا يرنّ في جيبك طوال اليوم. والسيارة كانت قافلة تسير في الصحراء، ثم تحولت إلى مركَبة تبحث لها عن موقف. والقطار كان صفًّا من الجمال، ثم صار صفًّا من العربات. أما المِنَصّة فكانت مكانًا مرتفعًا يقف عليه الخطيب، ثم أصبحت اليوم مكانًا رقْميًا يقف عليه الجميع في الوقت نفسه. هكذا تفعل اللغة الحية: تغيّر الوظائف وتُبقي الروح.
وهنا تبرز مسألة أمام المهتمين باللغة: هل الأفضل أن نُعقّم اللغة فنحوّل كل جديد إلى مصطلح جامد، أم نسمح لها أن تتسع للغرابة والخيال؟ لعل الطريق الأخصب هو الثاني؛ أي أن نستقبل الكلمات الجديدة بصورها وحيويتها، ثم نُهذّبها مع الزمن. واللغة العربية لم تتردد من قبل في تبنّي ألفاظ وصور جديدة حين احتاجت إليها، ولا سبب يمنعها اليوم من ملاحقة غرائب التكنولوجيا الحديثة.
ومن أمثلة ذلك: web التي صارت شبكة، مع أن أصلها بيت العنكبوت؛ أوspider أو crawler التي تشير إلى البرامج التي تجوب الصفحات؛ وbot أي الروبوت الصغير؛ وبسكوتة أو cookie التي أصبحت ملفًا صغيرًا يتتبع الجلسات؛ وworm الذي يدل على البرامج ذاتية الانتشار؛ وdemon، وهو الاسم الذي يطلق في بعض الأنظمة على العمليات الخلفية التي تعمل بصمت. وإذا جمعنا هذه الكلمات كلها فقد يظن البعض فعلًا أن في الحاسوب مخلوقات حيّة تسكنه: عناكب تزحف، وديدان تنتشر، وعفاريت تعمل في الخفاء!



Comments