top of page
Search

سحر ممشى الحديقة

  • نهى الإبياري
  • Apr 15
  • 2 min read

هل تساءلت يومًا لماذا يبدو ممشى الحديقة المتعرّج أكثر جمالًا من الطريق المستقيم؟

قد يبدو السؤال عابرًا، لكنه يمسّ سرًّا قديمًا في علاقتنا بالعالم: لماذا تميل النفس أحيانًا إلى الطريق الذي يلتفّ، لا إلى الطريق الذي يختصر؟ ولماذا نجد في المنعطف شيئًا من السحر، وفي الاستقامة المطلقة شيئًا من الجفاف؟

الطريق المستقيم ابنُ العقل العملي. منطقه واضح وحاسم: نقطة بداية، ونقطة نهاية، وأقصر مسافة بينهما. لا مفاجآت، لا تأخير، لا أسرار. إنه طريق صالح للمهام، للنقل، للجداول الزمنية، وللأيام التي نريد أن نعبرها بأقل قدر من الاحتكاك.

أما ممشى الحديقة، فليس طريقًا إلى مكان، بل طريقًا إلى حالة.

إنه لا يريد أن يوصلك بسرعة، بل أن يوقظ حواسك في الطريق. أن يمنحك الوقت لتلاحظ ارتعاشة الضوء فوق ورقة، أو رائحة شجرة بعد المطر، أو مقعدًا مختبئًا خلف شجيرة، أو بركة ماء لا تظهر إلا بعد منعطف قصير.

الطريق المستقيم يقدّم المكان دفعة واحدة.أما الطريق المتعرّج فيجعل المكان يتكشّف كما تتكشّف الحكاية.

ولهذا يبدو أجمل.

لقد فهمت تقاليد الحدائق اليابانية التقليدية هذه الحكمة منذ قرون. فالممر فيها لا يُرسم ليقود الزائر من باب إلى آخر، بل ليقوده من انتباه إلى انتباه. تُخفى البركة ثم تُكشف، وتُحجب الصخرة ثم تظهر من زاوية أخرى، ويصبح السير نفسه طقسًا من التأمل الهادئ. ليس الهدف الوصول، بل جودة المرور.

وهذا المبدأ نفسه نجده في الفنون الكبرى.

ألف ليلة وليلة لا تُقرأ ككتاب يسير في خط مستقيم. إنها عالم يُدخَل من أبواب كثيرة. قد تبدأ من حكاية وتخرج إلى أخرى، وقد تنسى الطريق الأصلي وأنت مأخوذ بتفصيل جانبي أو بيت شعر عابر. فيها منطق الممرّ المتعرّج: التأجيل جزء من اللذة، والانحراف جزء من الاكتشاف.

وكذلك الكثير من الموسيقى الكلاسيكية المعاصرة ذات النزعة التبسيطية. فهي لا تندفع دائمًا نحو ذروة صاخبة أو خاتمة منتصرة، بل تفتح حيّزًا زمنيًا هادئًا تقيم فيه النفس قليلًا. لا تسألك: إلى أين نمضي؟ بل تسألك: هل تستطيع أن تبقى هنا؟

ومن الناحية العلمية، لا يخلو هذا الميل من تفسير. فالدماغ البشري يستجيب بقوة لما يسمّيه علماء الإدراك التوقّع الجزئي: أي حين يُكشف الشيء تدريجيًا، لا دفعة واحدة. عندئذ تنشط دوائر الانتباه والمكافأة والفضول، لأن العقل يحب الفجوة الصغيرة بين ما يعرفه وما ينتظر أن يعرفه. أما إذا انكشف كل شيء منذ اللحظة الأولى، خفت الترقب سريعًا.

كذلك يميل الإدراك البشري إلى التغيّر المعتدل لا إلى الثبات التام. فالطريق المستقيم يقدّم مشهدًا واحدًا تقريبًا، بينما يوفّر المسار المتعرّج سلسلة من التحولات الصغيرة في الزوايا والضوء والمسافة والمنظور، وهي تغيّرات تكفي لإبقاء العقل يقظًا من غير إرهاق.

لعل الإنسان المعاصر يعيش أكثر مما ينبغي تحت سلطان الخط المستقيم: ماذا بعد؟ كم بقي؟ ما النتيجة؟ وهي أسئلة لازمة، لكنها لا تكفي وحدها لحياة قابلة للتذوق.

فنحن لا نحتاج فقط إلى طرق توصلنا، بل إلى مسارات تعيد إلينا القدرة على الملاحظة.

نحتاج أحيانًا إلى طريق لا يختصر المسافة، بل يوسّع التجربة.

ولعل سر جمال الممشى المتعرّج أنه يذكّرنا بحقيقة نعرفها ثم ننساها: ليست كل الأشياء الثمينة تُنال بأقصر طريق. بعض المعاني لا يأتي إلا التفافًا، وبعض الراحة لا تصل إلا ببطء، وبعض الجمال لا يظهر إلا لمن يقبل أن يمشي بلا استعجال.

 
 
 

Comments


©2023 by عين سوف. Proudly created with Wix.com

bottom of page